Search

تفسير إنجيل اليوم

ع17: عند خروج السيد المسيح فى طريقه إلى أورشليم، أتى رجل وسجد له، سائلا إياه عن الطريق إلى الحياة الأبدية. وكلمة "ركض" توضح أن مجيئه للمسيح كان عن لهفة ودافع حقيقى للمعرفة... وتشير كلمة "جثا" إلى احترامه وتعظيمه للمسيح.

ع18: للأسف، استغل أعداء المسيحية، على مر العصور، هذه الآية فى إنكار الألوهية عن المسيح. ولهؤلاء نقول أن المسيح أعلن بوضوح عن لاهوته، كما جاء فى (يو 10: 30): "أنا والآب واحد."

ولتوضيح ما قاله المسيح، علينا التعرف، بإيجاز، على خلفية يهودية لهذا الزمن... فقد منع الكهنة والفرّيسيّون الناس من استخدام اسم الله فى الأحاديث، والاكتفاء بذكر ألقابه، فكانوا يقولون المبارك... العلِىّ... الصالح... وهكذا.

ولذلك، عندما دعا هذا الرجل المسيح فى العدد السابق، قائلا: "أيها المعلم الصالح"، استوقفه المسيح فى هذا العدد، قائلا: "لماذا تدعونى صالحا؟"، فهل لأنك:

g تدرك أننى الله، فتعطينى الصلاح المطلق الذى لله وحده؟

g تحدثنى كما اعتاد الناس، فى مجاملة من يحترمونهم، بإطلاق الصفات والألقاب عليهم؟

ع19-20: لم يكن المسيح ينتظر إجابة من الرجل، بل أجابه على سؤاله بأن الطريق إلى الملكوت هو حفظ وصايا الله والعمل بها، وذكر السيد المسيح بعضا من الوصايا العشر؛ ولكن هذه الإجابة لم تُشبع سائلها، فأجاب بدوره إنه يعرف هذه الوصايا منذ الطفولة.

ع21-22: "فنظر إليه يسوع وأحبه": إذ رأى المسيح فى هذا الإنسان لهفة سؤاله، واتضاعه فى سجوده، واهتمامه الحقيقى فى حفظ الوصايا منذ صباه، ومحاولة تطبيقها بأمانة وصدق، ورغبته فى ميراث الحياة الأبدية، نظر إليه نظرة حب وتشجيع قبل أن يقدّم إليه العلاج، ويضع أصبعه على المرض الحقيقى لهذا الغَنى، وهو محبة المال. ولهذا، كان العلاج هو الاستئصال الكامل للخطية، بأن يتخلَّى عن أمواله للفقراء، فيصير له كنزا وإكليلا فى ملكوت الله. وبالرغم من صعوبة العلاج، لم يخفف السيد المسيح منه شيئا، بل أزاد عليه بأن يتبعه، متخليا عن التنعّم والرفاهية، حاملا صليب إنكار الذات، وقبول الألم... ولهذا حزن الرجل، إذ شعر بسلطان المال عليه؛ وبدلا من أن يتبع المسيح، مضى مغتما!!

          إلهى وسيدى... إنى أشعر فى أعماقى أننى لم أتحرر بعد من محبة المال، بل إننى هذا الرجل عينه... فأنا أخشى وأضطرب إن ضاع منى شىء... إنك تشير إلى مرضى أنا وليس مرضه، فهل تعطينى الشفاء؟! أرجوك، حررنى من هذه المحبة التى تحجبك عنى، وأشبعنى بك فيصير كل ما أملك رخيصا تحت قدميك، ويصير صليبك شهوة قلبى...

ع23-25: تعقيبا وتعليقا على الحوار مع الرجل الغنى، تكلم السيد المسيح عن صعوبة دخول ذوى الأموال إلى ملكوت الله. وعندما لاحظ حيرة التلاميذ وارتباكهم، أزادهم إيضاحا بأن المال فى حد ذاته ليس خطية، ولكن محبة المال والاتكال عليه والتباهى به واكتنازه، يجعل الإنسان معتمدا عليه أكثر من اعتماده على الله، بل يُقَسِّى قلبه على من حوله، ويدخُله كبرياء الغنى، وينسى اتضاعه واحتياجه وشكره لله. ولتوضيح صعوبة خلاص هؤلاء المتكلين على أموالهم، ضرب لهم المسيح مثلا تصويريا بأن مرورُ جمل - بكل حجمه - من ثقب إبرة، أسهل من دخول هؤلاء ملكوت السماوات، أى استحالة خلاص كل من وضع المال فى رجائه...

          أخى الحبيب... لا تنس أنه كان هناك أغنياء صالحون، مثل يوسف الرامى ونيقوديموس، ولم يطلب الرب منهم ترك أموالهم. فالخطية إذن، الساكنة فى أعماقنا وسط هذا العالم المادى، هى محبة المال ذاته، وهى تمنعنا من رؤية عمل الله، فلنتب عنها. وبدلا من تمنى الغنى، فلنتمنى ما هو أبقى وأنفع، حيث لا سارق ولا يفسده سوس، وهو الملكوت المعد لنا من قِبَلِ أبينا الغنى.

ع26-27: إذ رأى التلاميذ صعوبة ما يعلم به المسيح، عبّروا عما بداخلهم عن صعوبة الخلاص، قائلين بعضهم لبعض: "فمن يستطيعُ أن يخلُص؟" فجاءت إجابة المسيح مطمئنة، أن ما لا يستطيعه الإنسان فى جهاده، يكمله الله بنعمته. ولكن، علينا أن نكون أمناء فى عرض ضعفاتنا عليه، واشتياقنا للملكوت، وهو القادر أن يتمم خلاصه فينا، لأن كل شىء مستطاع عند الله.