Search

تفسير إنجيل اليوم

ع1-2: يؤكد السيد المسيح هنا على أنه المالك الشرعى، والراعى الوحيد لشعبه. فالحظيرة هنا هى الكنيسة، والخراف هم شعبه، والباب هو المسيح المهتم بتوبة وخلاص نفوس شعبه؛ فى مقارنة بينه وبين كهنة اليهود والفريسين، الذين اعتبرهم المسيح لصوصا لم يشفقوا على الشعب، بل أضروه بالأكثر، ملتفتين إلى مصالحهم (راجع حز34).

          وكذلك ينطبق القول على كل خادم غير أمين فى كنيسة الله، يسرق من شعب المسيح لحساب ذاته، أو يسرق بتعليم غريب، سالبا المسيح قطيعه.

ع3: "البواب": إشارة إلى الروح القدس، الذى يفتح القلوب أمام كلمة وصوت الراعى؛ وهو عمل مستمر للروح القدس. وكذلك يمكن القول بأن البواب هو الخادم الأمين، الذى لا يدّعى نفسه راعيا، بل بوابا، كل عمله إنه يفتح الباب للراعى، بمعنى أنه يسعى جاهدا لتوصيل المسيح للناس، دون أن يدّعى لنفسه دورا أكبر من هذا. أما الخراف، فإذ تسمع صوت راعيها الأمين، والذى تميزه جيدا من خلال العشرة والصداقة اليومية، وتثق فى قيادته لحياتها، إذ ينادى كل منها باسمه الخاص، كدليل على الحب والاهتمام والرعاية الخاصة... تخرج فى إثره لتتمتع بشمس المعرفة الروحية، وهواء حرية مجد أبناء الله.

          فهل لك أيها الحبيب هذا التمييز لصوت المسيح فى حياتك؟ فهو دائم المناداة لك، والحديث معك، مشتاقا أن تنطلق معه فى مراعيه الروحية، ليكون لك الشبع والتمتع. فلا تدع شيئا يشغل أذناك من أصوات هذا العالم ومشاغله، عن الاستماع لصوت راعيك الصالح.

ع4-5: إذ اطمأنت الخراف إلى صوت راعيها الذى تميزه جيدا، فإنها تسير وراءه فى تسليم كامل وثقة مطلقة، فهو الوحيد الذى يعلم أين هى المراعى الجيدة لرعيته، ورعيته تنظر لقدميه، وتتبع خطواته التى تقودها إلى مياه الراحة الأبدية، متمثلة بقائدها فى اتضاعه ووداعته وجهاده وآلامه، مأسورة بحب رعايته لها. أما الغريب فهو المعلم الخادع، مثله مثل السارق واللص، فإن الرعية الواعية والمتعلمة داخل الكنيسة، تميز التعليم الغريب عن روح كنيستها ومسيحها، فتنفر من هذا التعليم المضل.

          ولهذا أيها الحبيب، فإن التواجد داخل المناخ الكنسى، يوفر لنا جميعا الغذاء الروحى العديم الغش، ويحمينا من المعلمين الغرباء الذين يدخلون البيوت باسم المسيح، وهم سراق ولصوص لا يبغون سوى تمزيق جسده، أى كنيسته، فلا تسمع لهم... بل اهرب منهم.

ع6: لم يفهم اليهود قصد المسيح، وخاصة المقارنة الأخيرة بين الراعى الحقيقى وبين الغريب. ولهذا، يبدأ السيد المسيح فى الأعداد القادمة فى إعادة التوضيح والشرح، مطيلا أناته عليهم.

ع7-8: "باب الخراف": أى أنا المدخل الوحيد لطريق الخلاص، ولا يوجد خلاص خارج جسدى ودمى. وكذلك أنا المخرج الوحيد، من الضيقة والألم، إلى التمتع بحرية العشرة الفسيحة مع الله.

"جميع الذين أتوْا": بالطبع لم يقصد الأنبياء أو الآباء، وهم المرسلين بحسب اختياره ودعوته، بل يقصد كل من أتى قبله وادعى إنه هو الراعى والمعلم. وكذلك يمكن تطبيق القول على الكتبة والفريسيين، ولكن رعية الله لم تستجب لضلالهم. ويوضح القديس مرقس الفرق بين صوت الراعى الحقيقى واللصوص، فإنه: "كان يعلمهم كمن له سلطان، وليس كالكتبة" (مر1: 22). والمسيح نفسه وصف الكتبة والفريسيين باللصوص، عندما قال عنهم: "تأكلون بيوت الأرامل" (مت 23: 14)، أى أخذوا شكل الرعاة، ولكنهم كانوا لصوصا. ولهذا، فإن شعب الله الحقيقى لم يستجب لزيفهم. فكما أن الطفل يستطيع تمييز صوت أبيه، كذلك شعب المسيح مع راعيه الأعظم.

ع9-10: "إن دخل بى أحد": فالدعوة قائمة، ولكن الله يحترم حرية الإنسان. فالخلاص مقدم لكل الناس، ولكن للإنسان أن يقبل عطية المسيح، أو يرفضها بعناده وكبريائه. فالخلاص المجانى مشروط بالإيمان بالراعى، واتباعه، والجهاد معه.

"يدخل ويخرج ويجد مرعى": الحديث عن الحظيرة، وهى الكنيسة، التى توفر لأولادها:

أولا: الاتحاد بالمسيح من خلال التناول المقدس.

ثانيا: الشبع الروحى من خلال التعليم السليم.

ثالثا: الطمأنينة من خلال إرشاد الآباء.

رابعا: حرية الانطلاق فى النمو ومعرفة الله الحقيقية.

ومعنى هذا أن الحياة خارج المسيح وكنيسته هى موت.

          صديقى العزيز، إن المسيح وهب لنا الحياة واشتراها لنا بموته عنا جميعا على الصليب، وقدمها لنا ودعانا إليها مجانا، وهو لا يبغى سوى أن نتمتع نحن بهذا كله، ويكون لنا الأفضل "لأن الناموس بموسى أعطى، أما النعمة والحق، فبيسوع المسيح صارا" (ص 1: 17). فكل إعلانات وأنبياء وظهورات العهد القديم، لا تغدو شيئا مقارنة بما أُعلِن لنا فى شخص المسيح بتجسده وتقديم الخلاص لنا. بل الأعظم والأفضل يا صديقى، هو سكنى روح الله القدوس الحقيقى بداخلنا. فيوم مسحك بالميرون المقدس، سكن الله بداخلك وصرت له هيكلا... فهل أنت تُقدّر هذه الحياة وهذا الوضع الأفضل، أم أن الحياة الزائلة والمزيفة هى التى لا زالت تستهويك وتشغلك عن مسيحك؟

ع11: "الراعى الصالح": فى (ع1)، وضحنا أهمية صفة الراعى. أما هنا، فما هو صلاح المسيح مقارنة بالرعاة مثل موسى وداود وغيرهم؟ كان هؤلاء الرعاة بدورهم أيضا خرافا لله يرعاهم؛ أما صلاح المسيح:

أولا: أنه راعى الرعاة الأوحد، ضابط الكل، ولا ترتقى رعاية أى إنسان محدود إلى رعاية المسيح لخليقته.

ثانيا: إن الراعى الأمين قد يدافع عن رعيته ويقاتل عنها، ولكنه لا يجازف بحياته الأغلى من قطيعه... أما المسيح، فقد بذل ذاته من أجل خلاص كل قطيعه، وهو عمل الفداء الكفارى الذى لا يستطيع أحد القيام به سوى مسيحنا وراعينا الصالح...

ثالثا: بجانب عمل الفداء، فإن تعبير "الراعى الصالح" يحمل معانى روحية عميقة...

          إن المسيح هو المعتنى بإعداد كل ما تحتاج إليه، وهو الحنون عليك فى كل ضيقاتك، وهو المدافع عنك ضد الشر والخطر... فإذا كان هذا راعينا، فلماذا نقلق إذن وتربكنا اهتمامتنا اليومية العالمية؟

ثق أيها الحبيب فى راعيك المحب، الباذل نفسه لأجلك.

ع12-13: مقارنة يقدمها السيد المسيح، الغرض منها إظهار مدى الحب فى رعايته لرعيته، التى يمتلكها ويفديها. فمهما كانت أمانة الأجير، لن ترقى أبدا إلى محبة صاحب القطيع لرعيته. فالأجير حياته أهم بكثير من الخراف، فإنه يهرب إذا استشعر الخطر المهدد لحياته. أما صاحب الرعية الحقيقى، فيحمل صليبه ويصعد عليه بإرادته وحده، ليموت هو ويهب الحياة لشعبه.

          والكلام هنا، يمكن توجيهه للخدام فى كنيسة المسيح. فالخادم الأجير لا يربطه بمخدوميه سوى الأجرة، أى ما يحصل عليه من مديح أو إشباع للذات. أما الخادم الأمين، فهو من أجل المسيح، وخوفا على رعية المسيح، يبذل كل جهد... حتى حياته كلها رخيصة من أجل رعية السيد التى اؤتمن عليها. والكنيسة ذاخرة بسير هؤلاء الرعاة الأمناء الذين بذلوا أيضا حياتهم من أجل شعبهم، مثال القديس البطريرك بطرس خاتم الشهداء الذى قدم حياته راضيا، طالبا من المسيح أن يكون دمه نهاية لعصر الاستشهاد الذى عانى منه الشعب القبطى على يد الرومان.

ع14: بعد أن عرض السيد المسيح الفرق بين الأجير وصاحب الرعية، يعود ليؤكد أهمية عمله الرعوى المميز فى أنه الراعى الصالح؛ ويضيف صفة جديدة تشملها هذه الرعاية، وهى معرفته لخاصته. فكما أن الراعى يعرف قطيعه جملة وعددا، فإنه يعرف كل واحد أيضا باسمه (ع3)، وباحتياجاته وضيقاته، بل أيضا يتألم لألمه.

          وهذه ميزة يتمتع بها كل أبنائه، بخلاف من يرفضون وجودهم داخل الكنيسة - حظيرته - فيقول لهم الراعى: "لم أعرفكم قط" (مت7: 23).

"وخاصتى تعرفنى": معرفة الحب والعرفان والشكر من الخراف إلى راعيها الحنّان، ومعرفة الاختبار لذراعه القوية وعمل نعمته فى حياتنا. فالمسيح ليس له نظير أو بديل لكل نفس تمتعت بصداقته ورعايته، فهو الوحيد المشبع، ولهذا تتبعه النفس أينما ذهب، وهو مصدر شبعها وارتوائها.

طوباك أيها القديس بولس، عندما تعلن عن عمق هذه المعرفة، وتقول: "لأننى عالم بمن آمنت، وموقن أنه قادر أن يحفظ وديعتى" (2 تى 1: 12).

ع15: يقابل المسيح هنا معرفته بخاصته، بالمعرفة الكائنة بينه وبين الآب. فكما أن الآب والابن فى انفتاح واتصال دائم، هكذا لا يفصل المسيح عن رعيته شئ. وبقدر ما تستطيع الرعية أيضا، فهى فى اتصال مع سيدها وراعيها، مصدر كل خيرها... وكلما زاد الإنسان فى حبه للمسيح، زاد اتصاله به، أى زادت معرفته به...

          إذن أيها الحبيب، فإن معرفة الله متاحة للجميع، لأن هذه هى شهوة قلبه وإرادته الصالحة. ولكن، هناك دور علينا جميعا لننمو فى معرفة الله المشبعة لكل نفس؛ وهذا الدور هو أن نقدم من وقتنا المزيد لنقضيه مع الله، فمهما كانت المشاغل والالتزامات، فهى ليست أعذارا مقبولة أمام الله. والوقت الذى نقضيه مع الله فى الصلاة والقراءة، هو استثمار لحياتنا وراحتنا وسلامنا الحقيقى.

ع15: "اضع ذاتى": إذ بلغ الحب منتهاه من الراعى نحو رعيته، يأتى البذل والفداء نتيجة طبيعية لهذه الرعاية الأمينة، والإشارة هنا للفداء، وهو الغاية التى تجسد من أجلها المسيح، فليس هناك برهانا أقوى من الموت يقدمه المسيح فى حبه لشعبه (ص 13:1؛ ص 15: 13).

ع16: إذ يعلن السيد المسيح سر الفداء للرعية، يوضح هنا أن هذا الفداء ليس عن شعب بنى إسرائيل فقط، فالرعية الحقيقية للمسيح، هى كل من يقبله فى العالم كله؛ فهو ليس محدودا بحظيرة إسرائيل، لأن الفداء والصليب قدم للجميع، وهذا ما تنبأ عنه رئيس الكهنة فى (ص11: 52) بأن المسيح سيموت ليجمع أبناء الله المتفرقين إلى واحد.

"ينبغى أن آتى بتلك أيضا":

          تلقى هذه العبارة علينا جميعا التزاما فى البحث عن كل نفس بعيدة عن المسيح. فالخادم والإنسان المسيحى الحق، لا ترتاح نفسه وهو يعلم أن هناك كثيرين لا زالوا بعيدين عن كنيسة المسيح، فهو يشعر بالمسئولية تجاه هؤلاء، مثال مسيحه تماما، الراعى الأعظم. فإذا تعرفت الخراف الضالة على صوت الراعى الأعظم، صارت هى أيضا من قطيعه، تتبعه أينما ذهب.